إشكاليه العلم فى علم النفس

 

فى العدد السابق أشرنا الى ان علم النفس كعلم as a science لم يزل يتعثر لعده أسباب أشرنا اليها فى ثلالث نقاط رئيسيه بالعدد السابق.

 

* ومن هذه النقاط العامه نختار نقاطا منها نتناولها تفصيليا فى هذا العدد , ثم نوالى استنتاجاتنا وعرض وجهه نظرنا تفصيليا فى الاعداد الاحقه باذن الله تعالى.

 

*ووقع اختيارنا فى هذا العدد على مشكله موضوع علم النفس وكيف أثر غموض هذا الموضوع على مناهج ونتائج وتطبيقات الدراسات السيكولوجيه وادى الى صعوبه الاستفاده منها وتداخلها وتكرارها بأسلوب غامض حتى أصبح تحديد المناهج وشروط تشكيل السلوك, واجراءات تعديله عند الرجل المثقفا لعادى لايختلف كثيرا عما تطرحه دراسات سيكولوجيه امبريقيه مقننه.

 

لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع الى عبد السلام الشيخ علم النفس بين المثير والاستجابه 1996 دار الحضاره بطنطا, علم النفس بين اللفظ والمدلول 1987 نفس دار النشر, مدخل الى علم النفس 2..2 دار المصطفى للطباعه والنشر ومناهج البحث فى علم النفس 2..4 نفس الناشر والاسس النيوروسيكولوجيه للاضطرابات النفسيه 2..3 القاهره, دار النهضه المصريه خاصه المقدمه.

 

وقد أشرنا فى مقدمات هذه المراجع الى ضروره الاهتمام بدراسه موضوع علم النفس, فلا يحق لطبيب امراض صدريه مثلا ان يمارس هذه المهنه ولم يدرس الصدر ومكوناته وتشريحه...الخ,وهذا امر غير موجود فى جامعاتنا وربما لايوجد ايضا فى الخارج, وبالطبع فان مجهودات تعريف السلوك التى تظهر فى البحوث السيكولوجيه بين الحين والاخر خضوعا لمقتضيات البحث لاتعتبر كافيه لتحديد هذا المفهوم ومعرفه تشريحه ومكوناته او كما نفضل تسميتها أنسجته.

 

قد يعترض شخص بان السلوك ليس كالموضوعات الفيزيقيه حيث انه اكثر تعقيدا ومعنويه...الخ,والرد هنا واضح, فاما ان يكون موضوعا قابل للقياس الكمى العلمى كما هو الحال فى العلوم الفيزيائيه وبالتالى لابد من معرفه مكوناته وتشريحه واما ان تستبعده من دائره موضوعات العلم

 

قد يرى البعض اننا حاليا نتكلم فعلا عن مكونات السلوك, فنحن نتكلم بل ونقيس ما نسميه السلوك العقلى والذكاء والسلوك الحركى والانفعالى او الوجدانى...الخ, كما نبحث عن علاقاتها بعضها بالبعض, اى وهى متفاعله وهذا مايحدث فى العلوم الطبيعيه.

وتعليقا على هذا:

أ- ان تصورنا بان هناك سلوك حركيا واخر معرفيا واخر وجدانيا او انفعاليا, تماما كما نقسم الفاكهه الى برتقال فموز وتفاح, كأن كل فئه قائمه بذاتها وقد تتماثل مع الاخرى فى الطعم او الرائحه لكنها يمكن ان توجد منعزله عنها,هذا التصور خاطىء بالنسبه للسلوك لانه لايمكن تصور سلوك معرفى وحده ووجدانى وحده...الخ حتى لو انتهينا الى ارتباطات بينها.

 

ب- قد يرى البعض اننا حاليا لانعزل فئات السلوك عن بعضها بل نؤكد التكامل بينها, الا اننا بنظره مسحيه لمعظم بحوث علم النفس الامبريقيه وخاصه القائمه على القياس, اى العمليه من الوجهه الامبريقيه فى نظرنا,نجدها تحدد عينات سلوكيه فى الفئه التى نريد قياسها ونستبعد ما دونها,ويتضح هذا خاصه فى قياس القدرات الفعليه والمعرفيه والذكاء وبمحاوله تحليل مقاييس الذكاء مثل ويكسلر وبينيه ويتضح لنا هذا.

 

ج- مثال واضح للنقطه السابقه اننا بتحليل العينات التى نقيس بها الذكاء -ويكسلر مثلا لا نجده يعطى مواقف بها حب او غضب, اى كأن الفئات التى تعد هى فئات السلوك العقلى,بينما حينما نحب او نغضب...الخ سلوك وجدانى او انفعالى وهذا يؤكد اننا نقسم السلوك فعلا الى فئات ونتعامل معها من هذا المنظور رغم اعترافاتنا احيانا بتكامل السلوك واحيانا على استحياء باستحاله عزله او عزل متغيراته.

 

د- قد يرى اخر ان العلم يصحح نفسه هذا صحيح حيث ظهر حاليا مفهوم اخر يعطى سلوكيات الانفعال او الوجدان التى يغطها الذكاء العقلى فظهر لنا مفهوم ومقاييس الذكاء الوجدانى نقيس فيها فهم مشاعرنا ومشاعر الاخرين وكيفيه التعامل بها ومعها.

 

ه- نرى ان وجود ذكائيين يزيد الامر غموضا بل هو تشريع علمى بكل اسف يسمح بامكانيه وجود اشكال لاحصر لها من الذكاء , ذكاء اجتماعى مثلا وقد طرحه ثورنديك من قبل , واشكال اخرى قد نطرح مثلا - لماذا لايكون هناك ذكى حركى وذكاء سياسى وذكاء اقتصادى وذكاء تحصيل...الخ وقس هذا على كل المتغيرات السيكولوجيه التى تقاس حاليا.

 

و- يؤكد ماسبق وجود غموض فى تعاملنا مع السلوك كموضوع لعلم النفس, كما نتعامل معه بالمنهج العلمى ولعل هذا الغموض ينعكس فى ضعف العائد من تطبيقات البحوث السيكولوجيه المقننه , بل ان المقاييس الاسقاطيه وهى تقتصر تماما لمتطلبات المنهج العلمى النوعى كما اشرنا اليه فى هذه الورقه كثيرا ماقد تفيدنا خاصه فى العلاج الفردى يقرر مكافىء بل واكثر فائده احيانا من المقاييس اليسومتريه.

 

ز- بل ان بعض المقاييس الاسقاطيه لانها تعاملت مع السلوك بشكل اقرب الى طبيعته الكليه والكتليه ولكن بالطبع لم تعرض له كموضوع قابل للبحث التجريبى والعلمى , تقول حينما قننت بعض المقاييس ولو بدرجه متواضعه من التقنين مثل اختيار HTP أستطاعت من خلال مجرد خطوط يرسمها المفحوص على ورقه سواء رسم كروكى لمشخص أو منزل ان تعطينا ثلاث درجات لذكائه , ومؤشرات لعلاقه امه بابيه  وعلاقته بهما وبعض اضطرابات نفسيه بل وجسمانيه...الخ , بمعنى انها تؤكد لنا ان مجرد رسم على ورقه يعكس هذه المتغيرات حركيه وجدانيه معرفيه اجتماعيه عقليه...الخ , اى ان المكون الخارجى للسلوك , واما يسمى حاليا بالسلوك الظاهر او اى استجابه منه تحمل فى ثناياها كل المتغيرات الشخصيه.

 

ح- من هنا تبدأ وجهه نظرنا لحل هذا الغموض كمحاوله متواضعه لم تزل فى مهدها , بالرغم من اننا امبريقيا بما تعايشنا معها وتعاملنا معها تجريبيا وامبريقيا فبما لايقل عن خمسه وعشرين عاما وانعكست محاولتنا فى تقديم تصور مبدئى لما أطلقنا عليه- التشريح التصورى للسلوك , وعرضنا لهذا التصور فى مراجع متعدده (أنظر المراجع السابقه) وسوف نعرض له فى أعداد لاحقه باذن الله.  

 

*ويساعدنا هذا التصور على ضبط كم المصطلحات الانهائيه التى نتعامل بها مع السلوك بالرغم من اختلالها وتداخلها حتى أصبح المدلول الواحد له عدد كبير من المصطلحات والغريب ان كل هذه المصطلحات اسمدها علماء النفس من استخدامات الرجل العادى بكل مافيها من غيبيات وتناقضات امتلأت بها عبر تناقلها من جيل لأخر  قد يمتد بها الى الوراء باّلاف سنوات وربما هذا مادعى عالم مثل ساراسون Sarsonالى القول بان كل البشر اخصائين نفسانيين هواه , بل ان اكثيرا من البحوث العلميه المطروحه حاليا بعد مجهودات من الاطلاع وبناء المقاييس والتطبيق والتحليلات الاحصائيه , لم نطرح فى نتائجها اكثر مما يعرفه الرجل العادى المثقف اى مما يسمى بالحس العام , بل ولو طرحت ما قد يخالف هذا شك القائمون عليها فيها بالرغم من استبعاد مفهوم النفس كمفهوم مينا فيزيقى واستبداله بمفهوم السلوك الا اننانرى ان مفهوم السلوك كما نتعامل معه حاليا أكثر غموضا من مفهوم النفس باعتبار ان الاخير مفهوم مينافيزيقى لاعقه له بالمفهوم النوعى للعلم , بما يجعل التعامل معه واضحا ومحددا.

 

*بينما يبدو السلوك الاخير موضوعا قابلا للقياس ولم ننتبه الى غموضه بما جعلنا نتقبله موضوعا للعلم كما وهو وبما أدى الى كثير من الخلط فى كثير من الدراسات وبمراجعه سريعه للمتغيرات موضع الدراسه فى البحث السيكولوجى نجدها تتركز أسباب حول محور البناءات الفرضيه ونستنتجها من مؤشرات سلوكيه قابله للقياس كما يحدث فى الفيزياء , غير ان التشبيه به خلط كبير كما سنرى فهناك فرق واضح وجوهرى بين مايسمى بالبناء الغرضى فى الفيزياء محكوم بواقع المعمل الفيزيائى , وليس مفروضا عليه افكار مسبقه موجوده فى بحوثنا مصاحبه لمصطلحات استعرناها من الخارج كما يحدث فى مجال الدراسات السيكولوجيه كما ان الاستنتاج فى علم النفس ليس محكوما الا بالافكار المسبقه فى عقولنا وقاييس صدقها ايضا محكوم بهذه الافكار كما سنرى , حيث نجد انفسنا احيانا نستنتج بناء فرضيا من اخر فرض , فى اطار التعريف الكيفى وهكذا هو عين المينافيزيقا ومن الامثله الشائعه هنا استنتاج التحصيل من الذكاء مثلا وكل منهما فرض ونفترض له مؤشرات سلوكيه تختلف من بحث الى اخر.

 

*زاد من هذا الغموض ان عينات السلوك او نواتجه التى نختارها لقياس المتغير الفرض الذى نقيسه لاتمثل الجمهور المراد قياسه , كما سنشرحه فيما بعد فمثلا عينات استجابه الذكاء التى تقيسها ال11 اختبار لمقياس ويكسلر لاتغطى كل العينات المطلوبه لقياس الذكاء وتداخلت الامور حينما التمسنا الافاده التطبيقيه , وكل من مارس التطبيق فى مجال علم النفس يدرك صعوبه علاج انخفاض التحصيل من خلال نموذج واحد للذكاء او بطىء التعلم او صعوبات التعلم...الخ , ولعل هذه احد الشروط التى دعت الى التخلى عن تسميه APA الامراض كبناء فرض والاهتمام بالاعراض كمؤشرات مباشره وعيانيه سواء تعكس وراءهما مرضا فرضيا ام لا والبناءات الفرضيه ليست فى ذاتها المسئوله وحدها عن اضطرابات دراسات علم النفس بل وهناك امور ايضا هامه تدور معظمها حول ما أشرنا اليه سابقا- بغموض مفهوم موضوع علم النفس كما عرضنا فى تشريحنا التصورى للسلوك والذى يتضح من خلاله ايضا ان اخطر مافيه , هو البناءات الفرضيه خاصه وان البعض مثلها بمثيلاتها فى الفيزياء مما ضفى عليها خطأ شرعيه علميه قويه , الا ان المشكله فعلا لاتكمن فى وجود بناءات فرضيه وانما تكمن فى:- 

 

أ- أن كل المتغيرات التى تدرس فى البحوث السيكولوجيه(الامبريقيه والتجريبيه) فى معظمها هى متغيرات داخل البناءات الفرضيه(ويمكن لأى باحث عمل حصر بهذا بمراجعه مسحيه لعينه من البحوث المعاصره.

 

ب- أننا لم نحدد مستويات ومحتويات البناءات الفرضيه المستنتجه , فمن حيث المحتوى - نجد محتوى كيفى وهو مايرتبط بمتغيراتنا الفرضيه فى المجال السيكولوجى ومحتوى عقلى كمى يندرج تحت المفاهيم الرياضيه , والاخير أكثر انتشارا فى الفيزياء - وله محكات صدق خاصه به أكثر مما يرتبط بالواقع كما سنرى والعلم عامه بالنسبه للبناءات الفرضيه والتى نستنتجها من مؤشرات عيانيه لا يخرج عن المستوى الاول للاستنتاج اى استنتاج البناء الفرضى من مؤشرات عيانيه وليس استنتاج بناء فرضى من بناء فرضى اخر , خاصه اذا كان المحتوى كيفى , حيث نجد أنفسنا هنا بدون شعور منا داخل اطار الفكر الميتافيزيقى ولو رجعنا للدراسات السيكولوجيه التى تتضمن هذا المستوى من الاستنتاج لوجدنا تدخلات وغموضا وصعوبه فى الافاده التطبيقيه فالمتغيرات الفرضيه المستنتج بعضها من البعض الاخر برغم وجود مؤشرات عيانيه سلوكيه لكل منها خاصه فى البحوث التجريبيه لايمكن ان تكون هى نفسها المؤشرات لنفس المصطلحات (البناءات الفرضيه) فى بحث أخر أو فى حل مشكله سلوكيه فى مجال تطبيقى كالعلاج النفسى أو تعديل السلوك الذى حاليا يعتمد على الفن والخبره أكثر من اعتماده على العم والتجربه.

 

ج- البناءات الفرضيه فى الفيزياء علاوه على انها قليله جدا الا انها عاده تصاغ فى شكل معادلات كميه بمصطلحات علميه مستمه من داخل المعمل الفيزيائى , اما البناء الفرضى السيكولوجى فهو مجرد مصطلحات لفظيه كيفيه مصاغه بمدلولات مسبقه مستمده من مصطلحات الرجل العادى التى ورثها عبر أجيال عديده تمتد الى الوراء الاف السنين.

 

د- الاستنتاجات العليا فى الفيزياء من البناءات الفرضيه هى دائما استنتاجات رياضيه , وهى مرحله لا يصلها العلم الا فى مرحله متقدمه جدا تسمح بالاستنتاجات عبر سلسله من الافتراضات الرياضيه , بدون ان ننزلق الى الميتافيزيقا , أو ربما نعتبرها ميتافيزقا رياضيه حيث قواعد حسابات الصدق هنا تكن رياضيه وبعيده الى حد كبير عن قواعد الصدق التى نتعامل بها فى علم النفس والمجال التجريبى من العلوم الفيزيائيه والبيولوجيه وهذه المرحله لا وجود لها فى علم النفس ولاحتى فى البيولوجى بل وليست هدفا لنا فى المرحله التاليه , وان كانت فى يوم ما هدفا لبعض علما النفس مثلا( كلارك هل) وفى نهايه هذا الجزء نشير الى ان الغموض مفهوم السلوك وعدم وضعه موضع اعتبار أدى الى مشكلات منهجيه خطيره سوف نشير اليها فى الاعداد اللاحقه مع طرح وجهه نظرنا حول التشريح التصورى للسلوك .

 

هذه المشكلات تنحصر فيما يلى:

1- التعريف الاجرائى: حيث يعرف فى البحوث الجاريه حاليا على انه يشير الى الاجراءات المتبعه لقياس المتغير فالذكاء فى بحث "سى" هو ما يقيسه الذكاء فى نفس هذا البحث "سى" وفى البحث "ص" هو ما يقيسه مقياس الذكاء فى البحث "ص" وهكذا ونحن نرى انه لابد من رفض هذا المفهوم خاصه وانه يخضع لمفهوم التعريف الدائرى فى المنطق علاوه على سلبيات اخرى واضحه سوف نتعرض لها فيما بعد.

 

2- مفهوم الصدق: سوف يتضح لنا ان مفاهيم الصدق بل والاساليب الاحصائيه لقياسه يوجد بها كثيرا من الغموض , كما ان بروز مشكله الصدق فى علم النفس كمشكله ملحه اكثر مما هى فى العلوم الفيزيائيه انما يوحى بغموض موضوع علم النفس ويدعم وجهه نظرنا بالقول بهذا الغموض.

 

3- مشكله العينه: علاوه على خطأ العينات التى أشرنا اليها فى الصفحات السابقه حينما نقسم السلوك الى فئات معرفى -عقلى -حركى..الخ , ثم نأخذ عينه من كل فئه هناك مدخل اخر نظن انه اكثر خطوره لشيوعه فى كل البحوث السيكولوجيه , وهو أخذ عينات البحوث السيكولوجيه من خلال الافراد مثل اناث وذكور مثل مصريين واجانب جامعيين واميين..الخ.

وهو أمر يحتاج الى مرجعه دقيقه وهادئه حيث اننا نرى ان موضوعنا هو السلوك وليس الاشخاص وان علم النفس لايدرس الانسان بل يدرس سلوك الانسان والكائنات الحيه فموضوعنا هو السلوك وجمهورنا هو السلوك وعيناتنا لابد ايضا ان تكون السلوك حتى ولو لم يكن هناك سلوك بدون افراد كما لايمكن وجود ورقه شجر بدون شجر وبالطبع لايمنع هذا من استخدام عينات افراد حينما تكون خصائص الافراد متغيرا مستقلا ذو معرفه تأثيره على التابع وتكون متغيرا نود تثبيته وسوف نتناول هذه النقاط تفصيلا ان شاء الله فى أعداد لاحقه.

قائمة البحوث